بغداد/ حسين حاتم
شيئا فشيئا، تتحول احياء سكنية الى “ورش لتصليح المركبات” في ظل غياب الرقابة اللازمة من قبل الدولة.
3 عقود من الزمن كانت كافية لتحول واجهات هذه الاحياء الى محال “فيترجية” ومحطات غسل، ومحال ادوات احتياطية. وتجاهلت السلطات مخالفاتهم، مثلما تغاضوا هم عن افتتاح مشاريعهم في الاحياء الصناعية المخصصة. في منطقة الكرادة توجد العديد من محال الصيانة، فيما كانت خالية لوقت قريب منها، وفي حي المنصور تشابه الحال ايضا. وحتى في مدينة الصدر المكتظة، ففيما يواجه الناس ازمة سكن خانقة، تحولت المنازل القريبة من الطرق الرئيسة الى احياء صناعية متكاملة!. وفضلا عن التلوث وتخريب المدن، يقول اصحاب محال في الاحياء الصناعية ان زملاءهم الذين يعملون في الاحياء السكنية يؤثرون عليهم لأنهم يعرضون خدماتهم باسعار أقل مستغلين عدم شمولهم بضرائب العمل وضرائب العمال، كذلك تبيع لهم الدولة الطاقة الكهربائية باسعار المنازل ــ وهي دون الاسعار المفروضة على اصحاب المحال في الاحياء الصناعية بكثير. ومن محله الذي يتوسط منزلين سكنيين يقول الفيترجي احمد علي لـ(المدى) “نعمل في هذا المحل منذ قرابة 14 سنة. كان اختيارنا لهذا المكان هو عدم وجود منافس اخر يعمل بهذه المهنة في هذا الشارع”. ويضيف علي الذي يملك محلا في مدينة الصدر: “الايجار في الاحياء السكنية ارخص مقارنة بالحي الصناعي، كما اصبح لدينا زبائن كثر”، مشيرا الى ان “المحل يفتح من الساعة السابعة صباحا حتى وقت الغروب وتأتي الينا أناس حتى من خارج المنطقة ويشيدون بعملنا”. عن تذمر اصحاب المنازل القريبة يقول علي “محالنا تكون على الشارع العام وليس في الافرع، لذلك فانه لا يوجد تأثير على الاهالي”. واستدرك: “لكن البعض يتذمر من كثرة السيارات الواقفة امام محالنا لصيانتها واحيانا تتسبب بغلق الطريق”. وتشابه الحال مع ابو عمار الرجل المسن الذي اقتطع جزءا من بيته قبل ما يقارب عقدين ونصف ليفتتح محلا: “اضطررنا لفتح محل حينها بسبب العوز والفقر، الان اصبح لدينا الكثير من المعارف من الذين يأتون لتصليح سياراتهم عندنا، لهذا من الصعب ترك المكان الذي عرفنا الناس فيه والانتقال الى الاحياء الصناعية”. ويساعد ابو عمار في عمله اولاده في أوقات تعطيل الدراسة بالإضافة الى صانعه كرار الذي يعمل معه منذ 8 سنوات. ويضيف ابو عمار لـ(المدى): “الاهالي متعاونون معنا كوننا من منطقة واحدة وعشنا سوية وهم يحضرون سياراتهم لنا لتصليحها، وبالتالي نحن ايضا متعاونين كوننا ننظف المكان بعد تعزيل المحل ونقوم بجمع النفايات ووضعها في مكانها المخصص”. بالمقابل يقول علي مازن احد الساكنين بالقرب من ورش تصليح السيارات ان “تواجد الفيترجية في المناطق السكنية ظاهرة غير لائقة وانها تؤدي الى خراب جمال المدن بسبب الدهون والاوساخ والنفايات المتبقية من خردة السيارات فضلا عن التلوث البيئي الذي تحدثه”. ويضيف مازن ان “لها تأثيرا على مجاري الصرف الصحي إذ ان اغلبهم لا يهتم بجمع اشيائه ورميها في النفايات وهذا يؤدي الى دخولها في مجاري الصرف الصحي”، مشيرا الى انه “على امانة بغداد نقلهم الى منطقة صناعية حفاظا على المناطق السكنية من التلوث البيئي والمظهر الخارجي”.
بدوره، يقول منير عباس إن “انتشار الورش بين الأحياء السكنية وبموازاة الشوارع الرئيسة له أضرار كبيرة على السكان الذين يقطنون في أماكن قريبة منها”. ويضيف ان “وقوف تلك السيارات امام محلات الفيترجية لساعات طويلة امام الأرصفة يعيق ساكني العمارات من وضع سياراتهم الخاصة بالقرب منهم”.
وكان مدير الإعلام والعلاقات في أمانة بغداد، حكيم عبد الزهرة قد قال: إن “هناك خطة ترحيل الاحياء الصناعية الى خارج العاصمة او اطرافها لكنها تحتاج الى بعض المستلزمات الضرورية والتنسيق المشترك مع الجهات المختصة”. واضاف ان “امانة بغداد لا تمنح الموافقات لافتتاح الورش الصناعية من دون اخذ موافقة وزارة البيئة، لذا فان ما ينتج من تلوثات بيئية من المعامل والورش لا تتحمله امانة بغداد”، لافتا الى ان “مشروع ترحيل الاحياء الصناعية خارج العاصمة يعتبر من الخطط المستقبلية لدى الامانة اما في الوقت الحالي فانه غير مفعل”. من جهته، اشار الخبير الاقتصادي عبد الحسن الشمري الى ان “مشروع انشاء مدينة صناعية خارج العاصمة خطط له منذ زمن النظام السابق ولم يتم تنفيذه حتى الان”. واوضح الشمري ان “انشاء مجمعات سكنية خارج المدن يحتاج الى قرار حكومي يلزم جميع الدوائر المعنية والوزارات واصحاب الورش الالتزام بتنفيذ القرار ومنها توزيع الاراضي الى الصناعيين وتوفير البنى التحتية المتكاملة من خلال تعبيد الطرق وتوفير الكهرباء والماء لكن هذا الموضوع يحتاج الى فترة زمنية طويلة فيمكن تنفيذه من الان ليتم انجازه خلال السنوات الخمس او العشر القادمة”.
واضاف “اذا توفرت جميع التسهيلات امام الصناعي فلا تحتاج الحكومة الى وسائل اقناع لاصحاب الورش لنقل معاملهم فهم سيبادرون من تلقاء نفسهم لنقل عملهم”.