دولة سومر، النبع الاول للحضارة الانسانية !

دولة سومر، النبع الاول للحضارة الانسانية ! (*) د. رضا العطار

الأرض ! هناك حقيقة عجيبة، هي انه الى اواسط القرن التاسع عشر لم يكن احد يعرف اي شئ عن السومريين وان المنقبين عن الاثار في القسم الجنوبي من بلاد الرافدين، لم يكونوا يبحثون عن السومريين وانما عن الاشوريين والبابليين. اما عن بلاد سومر فلم يكن لديهم أية إشارة او لمحة، اذ لم يرد اي أثر لها او لأهلها في جميع المصادر المتوافرة لدى الباحث الحديث.

أما الآن فقد اصبحنا بجهودهم المضنية نعرف عنهم الشئ الكثير. نعرف كيف كانت حياتهم واشكالهم مما خلفوه لنا من تماثيلهم ولوحاتهم المنحوتة الموجودة حاليا في عدد من اهم المتاحف في برلين ولندن وباريس وواشنطن وفيلادلفيا.
وفي هذه المتاحف يجد المرء اشياء، تمثلهم احسن تمثيل من ناحية ثقافتهم المادية كالآجر مما كانوا يشيدون به معابدهم وقصورهم وآلاتهم وادواتهم واسلحتهم، واوانيهم واوعيتهم، واعوادهم وقيثارتهم، وحتى مجوهراتهم وحليهم. اضف الى ذلك ان هناك عشرات الألوف من الواح الطين التي دوّنوا عليها الوثائق الخاصة بمعاملاتهم التجارية والقانونية والادارية مما تزخر به تلك المتاحف من مجموعاتها الاثرية، تعرّفنا على الكثير من نظامها الاجتماعي وتنظيماتها الادارية الخاصة بأولئك السومريين القدامى.

ففي وسعنا ان نتوغل في هذا العلم اكثرالى قلوبهم وانفسهم – بينما يكون للباحث اُلأثري في هذه الناحية اقل ثمرة، نظرا لطبيعته الخرساء الساكنة. ففي متناول ايدينا عدد كبير من الوثائق المدونة بأبداعهم وانتاجهم في الادب مما يكشف لنا عن الديانة السومرية والمبادئ الاخلاقية والفلسفية.

لقد حدث في اواخر الألف الرابع قبل الميلاد ان السومريين وفقوا الى فكرة الكتابة على الواح الطين بدافع حاجاتهم الاقتصادية والادارية، كانت اولى محاولاتهم في الكتابة، ساذجة فجّة وبطريقة رسم الصور، ولهذا لم يمكن استعمالها الاّ في ابسط انواع التأشيرات الادارية، بيد ان المدرسين السومريين طوروها عبر قرون عديدة حتى تحررت من الكتابة الصورية وظهرت في هيئتها المسمارية.

وفي عام 1899 كشفت الحفريات الاثرية في مدينة (نُفّر) وهي موضع سومري قديم لا يبعد اكثر من 100 ميل عن بغداد جنوبا، على الاف من الواح الطين تزخر بالمدونات الادبية السومرية، توجد غالبيتها حاليا في متحف فيلادلفيا في الولايات المتحدة وفي متحف الشرق القديم في استانبول، وقد امكن الحصول على قسم كبير من هذه الالواح بواسطة تجار الاثار، واكثرها موجود الان ضمن مجموعات المتحف البريطاني وفي متحف اللوفر بباريس.

ان ما يجده القاري الكريم في هذه الدراسات انما هي ثمرة تلك التحريات. فبفضل علم الأثار قد تحقق اروع اكتشاف في تاريخ تطور الانسان منذ ان وجد على هذه الأرض. فقد اطلع العراقيون لأول مرة على تلك المراحل الصعبة التي اجتازها الأولون للأنتقال من عهود الهمجية والفطرة، تلك العهود التي شغلت الجزء الأعظم من حياتهم الى ان دخلوا في تلك التجربة المثيرة في أنشاء اول حضارة انسانية في تاريخ الأنسان في القسم الجنوبي من ربوع وادي الرافدين.

ويصح القول ان علم الاثار قد احدث انقلابا مدهشا في المعرفة الانسانية وفتح في تاريخ التقدم آفاقا واسعة بعيدة في اتجاه الانسان ونظرته الى الحياة بوجه عام والى التاريخ وفلسفة التاريخ بوجه خاص. ولعل المع جانب من هذه الكشوفات ان ( معاول ) المنقبين قد استطاعت ان تستظهر من الركام حياة حضارة غابرة لم يكن العالم يعرف عنها شيئا حتى مجرد اسمائها. بيد اننا الان نعرف تاريخها السياسي والحضاري – نعرف علومها وفنونها وآدابها والأدوار التي مثلتها في مسرح التاريخ البشري.

وعلى ضوء هذه المقاصد الجليلة والغايات الخطيرة ادركت المؤسسات العلمية في الغرب اهمية التحري عن آثار بلاد الرافدين والكشف عنها. فجنت من تحرياتها ثمرات بالغة الأهمية في الكشف عن اصول الحضارات القديمة. واذا كان الامر كذلك بالنسبة الى امم الغرب ومؤسساته العلمية فما احرانا نحن المنحدرين من هؤلاء القدماء ان نضاعف الجهود في التحري عن ذلك التراث، عسى ان تكون هذه الدراسة حافزا على القيام بهذا الواجب الجليل.

* مقتبس من كتاب الواح طينية السومريون لصموئيل كريمر جامعة شيكاغو 1963

المصدر