تواصل المجد الحضاري بين بابل وبغداد (*) ح 7

178

تواصل المجد الحضاري بين بابل وبغداد (*) ح 7 د. رضا العطار

يقول كاتب السطور : لم تكن صفحة الحياة في مدينة بغداد كلها تجري على هوى شعراء المجون، انما كان هناك كذلك شعر الورع والتقوى، يلقيها خطباء فصحاء و وعاظ اجلاء، من على منابر مساجد بغداد التي كانت يومها عامرة بالعباد، خاصة ايام الجمعة حيث انها كانت تعج بالمصلين. استمع الى هذه المناجاة :

يا رب ان عظمت ذنوبي كثرة * * * فلقد علمت بأن عفوك اعظمُ

ان كان لا يرجوك إلاّ محسن * * * فبمن يلوذ، ويستجير المجرمُ

ادعوك رَبّ، كما امرتَ تضرّعا * * * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحمُ

مالي اليك وسيلة إلاّ الرّجا * * * وجميلُ عفوك ثم انّي مسلمُ (*)

ويخاطب الحلاج المتصوف، الله تعالى قوله :

انا من اهوى ومن اهوى انا * * * نحن روحان حلت بدنا

فإذا ابصرتني ابصرته * * * واإذا ابصرته ابصرتنا ويضيف:

مزجتَ روحك في روحي كما * * * تمزج الخمرة في الماء الزلال

فإذا مسّك شئ مسّني * * * فإذا انت انا في كل حال

وفي مجال آخر يتغنى ابن الجهم ببغداد إذ يقول : :

عيون المها بين الرصافة والجسر * * * جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري

اعدن لي الشوق القديم ولم اكن * * * سلوت ولكن زدن جمرا على جمر

وفي محبة الأوطان ينشدنا ابن الرومي قوله :

ولي وطن آليت الاّ ابيعه * * * وان لا يرى غيري له الدهر مالكا

و اخيرا اليكم هذا النظم الشعبي لشاعر أمّي مغمور اسمه (خبز) يصدح بصوته الجهوري عاليا، الابيات التالية من مخبزه في البصرة، فيتقاطر عليه الناس لسماعه او شراء بعضا من بضاعته:

خليلي ! هل ابصرتما او سمعتما * * * بأكرم من مولى تمشى الى عبد ؟

اتى زائرا من غير وعد وقال لي * * * اصونك عن تعليق قلبك بالوعد

فما زال كأس الوصل بيني وبينه * * * يدور بأفلاك السعادة والسعد

فطورا على تقبيل نرجس ناظر * * * وطورا على تعضيض تفاحة الخد

وحينما قاد خيال – خبز – الخصب الى طرفة نفسية، تعذر عليه التمييز بين هلال القمر من هلال وجه الحبيب، فأنشد:

رأيت الهلال ووجه الحبيب * * * فكان هلالين عند النظر

فلم ادري من حيرتي فيهما * * * هلال الدجى من هلال البشر

ولولا التورد في الوجنتين * * * وما راعني من سواد الشعر

لكنتُ اظنُ الهلال الحبيب * * * وكنت اظنُ الحبيب القمر

كان في النصف الاول من القرن العشرين، مدرس مصري قد وصل دمشق في طريقه الى العراق، وألتقى صدفة بقادم من بغداد فسأله: هل ان بغداد مدينة كبيرة ؟ فأجابه:
( نعم، انها كبيرة ومليئة بالمقاهي ! وفيها 14 ملهى )
ربما كان عدد الملاهي في نظره هو مؤشر الكبر والاهمية. اما انا فالذي احلم به واتمناه : هو، اذا سأل اليوم احدهم رجلا قادما من بغداد ( هل ان بغداد مدينة كبيرة ؟ ) أجيبه :

( نعم ففيها 14 كلية، و 14 مكتبة عامة، و 14 متحفا، و 14 مسرحا، و 40 مطبعة كبيرة، و 40 معهدا للبحوث العلمية، و 40 مستشفى، و 40 قاعة للفن ) – وهكذا
لقد بقيت بغداد رغم ضخامتها، مكانا لا يفقد المرء فيه قياسه الانساني، ويجد فيه خلوته الخاصة اذا اراد، كما يجد فيه سعادته وحريته وكرامته : وهذه كلها من ميّزات المدينة العظيمة، التي مهما كبرت علوا وتوسعت افقيا، فإن الانسان يبقى هو السيد فيها، متناغما مع مجتمع متحكم بتكنولوجيته، يشمخ علوا مع علو مدينته، مدينة بغداد.

هذا الجوهر الحضاري هو الذي اراه اليوم يعود الى توقده من جديد، ويضع بغداد في سياقها الاصلي من خط التطور الانساني، فرقعتها تتسع يوما بعد يوم وقد عادت مرة اخرى واتخذت شكلها الدائري مع الفارق المذهل في المساحة – من خمسة كيلومترات مربعة زمن الخليفة ابو جعفر المنصور الى آلاف كيلو مترات في الوقت الحاضر.

ولسوف يبدي مخطّطوها مهارة كبرى في تنظيم شوارعها وابنيتها واسواقها واحيائها. ويبدو ان دينامية المدينة تتحدى القدرات بأستمرار. فمنذ اواخر الخمسينيات حتى اليوم عرفت بغداد ما لا يقل عن اربعة مخططات اساسية، والمدينة لم تعط بعد حقها. مما يدل على ان المشرفين يجددون رؤيتهم دوما طبقا لجوهرها والمام خيالهم بطاقتها وموقعها من الحضارة العالمية.

واني ارى بغداد، تصب فيها المعارف والعلوم والفنون، فتضيف هي اليها بل تضاعفها وتعيد توزيعها على العالم، فخورة بتعدديتها كما كانت تفعل أمّها العظيمة بابل. وكما كانت هي تفعل قبل الف سنة، اذ تصنع للأنسان تقدمه في المادة والروح معا.
هذا هو السياق الحقيقي الذي يجب ان نرى بغداد فيه. وتحقيق ذلك، لا ريب، مسؤولية كبيرة. ولكنها مسؤولية رائعة، واهل بغداد – كما كانوا أبدا – هم اكفاء لها، وقادرون عليها.
الحلقة التالية في الغد !

* مقتبس من كتاب الفن والحلم والفعل لجبرا ابراهيم جبرا مع اضافات لكاتب السطور.

المصدر